الآلوسي
131
تفسير الآلوسي
عند الله عز وجل تظهر في ذلك الوقت الشديد الصعب على العالم ، وقيه بعد . * ( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً ) * . أي فتت كما قال ابن عباس . ومجاهد حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لتّه ، وقيل ؛ سيقت وسيرت من أماكنها من بس الغنم إذا ساقها فهو كقوله تعالى : * ( وسيرت الجبال ) * ( النبأ : 20 ) . وقرأ زيد بن علي * ( رجت ، وبست ) * بالبناء للفاعل أي ارتجت وتفتتت ، وفي كلام هند بنت الخس تصف ناقة بما يستدل به على حملها - عينها هاج وصلاها راج ، وهي تمشي وتفاج - . * ( فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً ) * . * ( فَكَانَتْ ) * فصارت بسبب ذلك * ( هَبَاءَ ) * غباراً * ( مُّنبَّثاً ) * متفرقاً ، والمراد مطلق الغبار عند الأكثرين ، وقال ابن عباس : هو ما يثور مع شاع الشمس إذا دخلت من كوة ، وفي رواية أخرى عنه أنه الذي يطير من النار إذا اضطرمت . وقرأ النخعي - منبتاً - بالتاء المنطوقة بنقطتين من فوق من البت بمعنى القطع ، والمراد به ما ذكر من البث بالمثلثة . * ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً ) * . * ( وَكُنْتُمْ ) * خطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليباً كما ذهب إليه الكثير ، وقال بعضهم : خطاب للأمة الحاضرة فقط ، والظاهر إن - كان - أيضاً بمعنى صار أي وصرتم * ( أَزْوَاجاً ) * أي أصنافاً * ( ثَلَاثَةً ) * وكل صنف يكون مع صنف آخر في الوجود أو في الذكر فهو زوج ، قال الراغب : الزوج يكون لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة ولكل قرينين فيها ، وفي غيرها كالخف والنعل ، ولكل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مضاداً وقوله تعالى : * ( فَأَصْحَاب الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابالْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَاب الْمَشْئمَةِ مَآ أَصْحَابالْمَشْامَةِ ) * . * ( فَأَصْحَاب الْمَيْمَنَةَ مَا أصْحابالْمَيْمَنَةَ * وَأَصْحَاب الْمَشْئَمَة مَا أَصْحَابالْمَشْئَمَة ) * تفصيل للأزواج الثلاثة مع الإشارة الاجمالية إلى أحوالهم قبل تفصيلها ، والدائر على ألسنتهم أن أصحاب الميمنة مبتدأ ، وقوله تعالى : * ( ما أصحاب الميمنة ) * * ( ما ) * فيه استفهامية مبتدأ ثان . و * ( أصحاب ) * خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول والرابط الظاهر القائم مقام الضمير ، وكذا يقال في قوله تعالى : * ( وأصحاب المشأمة ) * الخ ، والأصل في الموضعين ما هم ؟ أي أيّ شيء هم في حالهم وصفتهم فان * ( ما ) * وإن شاعت في طلب مفهوم الاسم والحقيقة لكنها قد تطلب بها الصفة والحال كما تقول ما زيد ؟ فيقال : عالم ، أو طبيب فوضع الظاهر موضع الضمير لكونه أدخل في المقصود وهو التفخيم في الأول والتفظيع في الثاني ، والمراد تعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفظاعة كأنه قيل : * ( فأصحاب الميمنة ) * في غاية حسن الحال * ( وأصحاب المشأمة ) * في نهاية سوء الحال ، وقيل : جملة * ( ما أصحاب ) * خبر بتقدير القول على ما عرف في الجملة الإنشائية إذا وقعت خبراً أي مقول في حقهم * ( ما أصحاب ) * الخ فلا حاجة إلى جعله من إقامة الظاهر مقام الضمير وفيه نظر ، و * ( الميمنة ) * ناحية اليمين ، أو اليمن والبركة ، * ( والمشأمة ) * ناحية الشمال من اليد الشؤمى وهي الشمال ، أو هي من الشؤم مقابل اليمن ، ورجح إرادة الناحية فيهما بأنها أوفق بما يأتي في التفصيل ، واختلفوا في الفريقين فقيل : أصحاب الميمنة أصحاب المنزلة السنية ، وأصحاب المشأمة أصحاب المنزلة الدنية أخذاً من تيمنهم بالميامن وتشؤمهم بالشمائل كما تسمع في السانح والبارح ، وهو مجاز شائع ، وجوز أن يكون كناية ، وقيل : الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يؤتونها بشمائلهم ، وقيل : الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة والذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، وقيل : أصحاب اليمن وأصحاب الشؤم ، فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم على أنفسهم